أحمد مصطفى المراغي

31

تفسير المراغي

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ » . وقوله : « أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ؟ » . وفي هذا من التقريع والتوبيخ ما لا يخفى . وبعد أن أشار إلى عظم خلق السماوات إجمالا شرع يبين ذلك تفصيلا فقال : ( بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ) أي ضم أجزاءها المتفرقة وربطها بما يمسكها حتى حصل عن جميعها بنية واحدة ، فقد أبدع في خلق الكواكب وجعل كل كوكب منها على نسبة من الآخر ، وجعل لكل منها ما يمسكه في مداره حتى كان من مجموعها ما يشبه البناء وهو ما نسميه بالسماء . وقد جعلها ذاهبة في العلوّ صعدا ، وعدّ لها فوضع كل جزء منها في موضعه الذي يستحقه ويحسن أن يكون فيه . ( وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ) أي وجعل ليلها مظلما بمغيب كواكبها ، وأبرز نهارها ، وعبر عن النهار بالضحى ، لأنه أشرف أوقاته وأطيبها ، وفيه من انتعاش الأرواح ما ليس في سائرها . وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى ومن ثم قال : ( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) أي ومهد الأرض بعد ذلك وبسطها للسكنى ، وسير الناس والأنعام عليها ، وقد كانت مخلوقة غير مدحوّة قبل ذلك ، فلا تخالف هذه الآية ما جاء في سورة السجدة من قوله : « أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » .